أخر الاخبار

ذكريات معلم - الجزء السابع -


ذكريات معلم - الجزء السابع -


ذكريات معلم

كان و لا بد أن أخرج يومي السبت و الأحد من براثن الوحدة التي تمزقني, و أجد متنفسا أملأ به بطارية الصبر قبل أن تنفذ, تعبتُ و تعبتْ مني جبال صاغرو, جلت قممها بحثا عن تغطية لهاتفي و تغذية لروحي دون جدوى, و أنا في القمة, أتجول بناظري باحثا عن شيء مختلف, عن حياة قريبة مني تؤنس وحدتي, لكن لا أرى الا التضاريس نفسها و الألوان نفسها و الصخور القاتمة نفسها.
دوار اغازون كان ضالتي الأقرب, أرسم صورة للمعلم الذي خبرت اسمه قبل صورته " عبد اللطيف ", أرسمه لطيفا اشتقاقا من مسماه, آمالي كلها معلقة على هذا الزميل المجهول و نفسي تاقت و اشتاقت اليه قبل لقائه.
كلما أردت مغادرة دواري كنت أحب صعود الجبل لألقي اطلالة أخيرة عن مكعبي الصغير و أتمتم عبارات وداع لن يتحقق فالعودة حتمية, لكن نفسي أحبت أن تعيش كل مرة وهم المغادرة بلا رجعة فكنت أنا أسايرها اشفاقا و أمثل المشهد ببراعة كأنه يومي الأخير هناك و اليوم الذي ولدت فيه من جديد و عدت للحياة.
شددت الرحال الى اغازون, لكن هاته المرة من طريق مختصرة تمر عبر الوادي, فوت على نفسي المشهد الذي تحبه, و واسيتها بأني سأعوضها بدل المشهد القصير للاطلالة من قمة الجبل فيلما حقيقيا طويلا مع الزميل اللطيف..
وصلت و كانت دهشتي كبيرة بالتغيير الذي طرأ, غادرت المعلمة من اغازون و جاء عوضا عنها معلم اخر, لذا كان في استقبالي عبد اللطيف و سفيان, كان الارتياح سيد الأجواء, التقينا و التقت أرواحنا و كأننا نتعارف منذ وقت طويل, اقتحمت عالمهم الصغير و صرت واحدا منهم، لا أعلم و كأن مغناطيسا يقرب بيننا نحن المعلمون، سرعان ما نتجاذب و نتآلف داحضين بقوة ما تقوله العامة: " صاحبك فالحرفة عدوك ".
عبد اللطيف كان رائعا كما صورته تماما, وجه دائري رتبت مكوناته بشكل يرسم الجمال الموحي بالوداعة, لعينيه بريق أخاذ يزيدهما رونقا نظارتاه المناسبتان لشكل وجهه الممتلئ, شعره الكثيف الرطب الملمس جعله كنجوم السينما, قامته المتوسطة و جسمه الممشوق القوام كلها تخبرك أن هذا الشاب أخطأ الوجهة و أن مكانه ليس هنا في فيافي المغرب العميق ..
سفيان, كان رائعا أيضا, لازلت أتذكره و كأنه أمامي, وجه بيضاوي, حاجبان كثان و لحية مسطرة بعناية, نحالة جسمه و قامته القصيرة كانتا تخفيان ثقة عالية في النفس يعضدها صوته الجهوري الرنان, و حديثه المتزن و فصاحة لسانه و رجاحة عقله .. حصلت المعلمة على منصب في مركزية مجموعتنا بالمركز, و عوضها سفيان, الذي جاء بتكليف من مجموعة مدرسية قريبة, زُج به ايضا وحيدا بين ثنايا الجبال في دوار يسمى "افورار" لازلت أذكر ما قاله لي عن تعيينه بالحرف : " خاصك تطلع للمدرسة بيديك و رجليك " تمرد على الوضع, زار محتجا نيابة التعليم, و أغدقت عليه بتكليف في "اغازون" رغم أنه و أنا من نفس الفوج و لنا الأقدمية نفسها بل لي الأسبقية كوني من نفس المجموعة المدرسية, لكن هكذا تسير الأمور في بلدي, ان صرخت ستنال ما أحببت و ان سكتت فأنت في عداد المنسيين و " العام زين ", لم يثر الأمر حفيظتي حينها و أحببت سفيان الذي كان يحلم أن يكون قاضيا, كان مجازا في الحقوق, و رغم أنه شرع في العمل كمعلم الا أن حلمه لم يفارقه قيد أنملة, و كان جل حديثه عن مباراة القضاة و عدد المناصب و عن السبيل للحصول على ترخيص لاجتياز المباراة..
عبد اللطيف قضى في "داوعبيد" سنتين متواليتين, و اكتوى من النار التي اكتوي بها الان, راق لي كثيرا أن وجدت من ذاق من نفس المرارة, كان يسترسل في حديثه عن داوعبيد بلكنته السوسية الأخاذة, و كنت أجد في حديثه دواء لعللي و شفاء من غمي و راحة لصدري, أحدثه عن الألم فيحدثني عن الأمل, اشتكيت اليه فشل الحصص و الأهداف و تعثر التلاميذ فأخبرني عن قاعدة ذهبية حفظتها عن ظهر القلب ليومنا هذا : " شوف أ يوسف, هاذوك لوليدات الى ما كيعرفوش الباء, وريهم الباء " و لا تكلف نفسك ما ليس بوسعها.
لذا أيها المعلمون, لا تكلفوا أنفسكم ما لا تطيقون, و لا تحملوا تلاميذكم ما لا يستطيعون, فنحن في منظومة متعددة الأطراف, أطراف كثيرة تخلت عن أدوارها و خدلتنا, تركونا وجها لوجه مع التلميذ نواجه المشترك المتعدد المستويات و البرامج العقيمة و الظروف السقيمة .. علموهم و تأكدوا أن ما تفعلونه يصلهم, تجنبوا القاء المحاضرات الجافة، اقتربوا من قلوبهم، و ستلامسون عقولهم..
بين عبد اللطيف و سفيان وجدت مكانا لي, و أحسست بينهما بدفء عائلتي المفقود و بلسما لجراح الوحدة و العزلة التي أعيشها بحر الأسبوع ..
يتبع

ملحوظة: حقق سفيان (من سيدي قاسم)حلمه و صار قاضيا، لم يكمل السنة معنا، أتمنى أن يصله المنشور و يتجدد الوصال، ساعدوني بالبارتاج جزاكم الله خيرا. و تحية لصديقي عبد اللطيف الذي صادف المذكرات بفضل البارتاج.. عبد اللطيف ببساطة كان هدية من السماء و أجمل شيء خفف عني وطأة المعاناة.

لقراءة الجزء الثامن اضغط على الرابط : ذكريات معلم - الجزء الثامن -
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-