أخر الاخبار

رحلة الى المجهول : مذكريات معلم في الجبال -زاكورة- الحلقة الثانية

 

رحلة الى المجهول : مذكريات معلم في الجبال -زاكورة- الحلقة الثانية

مذكرات معلم في الجبال


السفر الى ديار امييرد .
....في منزل الحاج داود نفضنا غبار الهم و الغم ،وبدأنا نتأقلم في الزمان والمكان ،منزله كان لنا باحة استراحة ممتعة ،تناسينا فيه هول الصدمة وعذاب الرحلة، تماما كباحة استراحة المسافرين ،التائهين ،مسافرين غير أننا نجهل الوجهة، ولا نعلم أين يكون الوصول .نحن الأن في المنتصف و المنتصف نقطة غامضة وغير مفهومة، نقطة تجمع ما بين النقيضين ،يتعايش فيها الأضداد . نقطة يلتقي فيها التبصر بالتهور، .يلتقي فيها الألم بالأمل،واليسير بالعسير . ..
هنا، باحة للإختيار والتأمل وتحديد المسار من جديد ،باحة للتعارف وربط العلاقات ولو المؤقتة.
إنه أول مساء لنا في ديار أمييرد ،كأن المساء غير المساء ،أو كأن الزمان غير الزمان ،كل شيء مختلف،كل شيء حزين منكسر ،متهالك ،الشمس على وشك الرحيل .خيوطها الباهتة، المتكسرة وصمت هذا المساء ،يلبس المكان رداء الحزن و الوحدة ،رداء الخريف الحزين .بعد هنيهة،أفلت الشمس واسودت السماء ،وعم الظلام الأرجاء ؛ظلام أسود مخيف ،إذا أخرجت يدك لن تكاد تراها،ظلمات بعضها فوق بعض ...في أمييرد لا طريق ولا كهرباء ولا شبكة إتصال ؛مأخذ التيار بدون تيار وهواتف بدون شبكة اتصال...كأننا سافرنا عبر الزمان إلى عصر من العصور الغابرة ؛عصر ما قبل طوماس أديسون وما قبل غراهام بيل .....مشهد لم يسبق لي أن شاهدته أو عشته ما حييت ؛الظلام في كل اتجاه ،لاشيء يكسر جدار العتمة والحلكة غير حديثنا لبعضنا البعض ،تماما كحلقة من حلقات حسن بوفوس، في برنامج أمودو ،أو كفلم رعب طويل ...الكل يتساءل من يخرجنا من ظلمة هذا المكان ،من ينير الطريق ،الى أن..جاء صاحب البيت،ربط أسلاك البطارية الموصولة بالألواح الشمسية وجاء الضوء ،فابتسم الجميع .تذكرت نصا من نصوص القراءة في السنة الثانية ابتدائي وأخيرا عاد الضوابتسمنا وفرحنا من الأعماق لرؤية الضوء هههه.
أعد الحاج مكان الجلوس في ساحة كبير، أمام منزله ،في الهواء الطلق،الزرابي الحمراء مفروشة ،والمشهد مؤتت بمساند رطبة مريحة،استلقينا هناك ،وعلى أيقاع كؤوس الشاي المنعنع ،تبادلنا أطراف الحديث ،كانت فرصة لنا من أجل أن نتعارف من جديد، ونقترب من بعضنا البعص ،ونكسر الحواجز ،خاصة مع قدوم عبد الكريم الذي كسر صخرة همنا وغمنا بدعابته ،وكلامه المرح وحديثه المسترسل الجميل في الدين والسياسة والحياة ...
مرت الليلة الأولى بردا وسلاما علينا ،ثم جاء الصباح، فغمر نور الشمس الفضاء والأرجاء.في أمييرد لا دياكة تصدح بقدوم الصباح ولا عصافير تزقزق ولا نسيم بارد يلطف الأجواء .الصمت والسكوت ،كأن الصباح غير مرحب به، إنه صباح يتيم،لا شيء يدل على الحياة فيه .الحياة في أمييرد ليل طويل ، حلقات متواصلة من الحيرة و الهم،لكن رغم كل هذا فالإبتسامة و البشاشة لا تفارق كثير من أهل أمييرد ؛أهل أمييرد أهل الطيبوبة والوقار ،أهل البساطة والتواضع ،أهل الجود والكرم ...في هذا اليوم ،وبعد مجموعة من الإجراءات الإدارية -،مع إدارة المؤسسة -عصفت بينا رياح الرحيل مرة أخرى ،و شاءت الأقدار أن نفترق بعد أن أصبحنا نحس ببعض اللحمة والأنس .كل منا في فرعية وما بين الفرعية والأخرى مسيرة أيام بالأقدام ،في مسالك وعرة ،بين الشعاب والوديان ،في صحراء قاحلة لا أثر للحياة فيها ، أو ما يدل عليها ،غير بعض أشجار الطلح والأشواك التي تزيد من قفار المكان وظلمته،مسالك تخافها الإبل وما بالك بالإنسان .لممنا اغراضنا و أشياءنا و هممنا بالرحيل ،
ركبنا حافلة السيمو من جديد ، أحكم غلق الأبواب ، وبدأنا نشق الطريق،بين الشعاب والوديان،بعد ساعة أو يزيد وصلنا الفرعية التي سأشتغل فيها،ودعت من في الحافلة، ونزلت لمواجهة مصيري ،واستمرت رحلة الباقية في اتجاه المجهول ،في الصحراء بين الغبار والرمال والمنعرجات ،تابعت الحافلة بعيني الى أن ذابت في الصحراء والفقار
إنها بوتفرسيكت المكان مقفر ،موحش،أشبه ما يكون بمقبرة مهجورة منسية ؛منازل طينية ، متفرقة هنا وهناك بالكاد تراها بين الشعاب ،وبقايا حقول ،اكتسحها الجفاف و التصحر. أحسست بالدهشة وفقدان الأمل،صدمة الوصول أكبر وأقوى من عذاب الرحلة.ليت الكلمات تسعفني لكي أقرب شيئا من الحقيقة ،يكاد الجنون يجن بداخلي في هذه الساعة ..فكرت في العودة من حيث اتيت ،فكرت في تقديم إستقالتي ،في المغادرة ،في الرحيل... أفكار كثيرة جالت خاطري ...وفي لحظة صمود استجمعت قواي .وقررت دخول المعترك مع المعاناة الى جانب من سبقوني من الشرفاء والمقاومين، المعلمين ...

يتبع

بقلم: Abr Ait Larabi
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-