أخر الاخبار

الرحمة و العدل

 إن المجتمع العادل الخالص هو حيث لا يكون للفقر والبؤس أي أثر كآثار الشيخوخة والمرض وحوادث الدهر التي تستعصي على التنبؤ.



إن الإنسان مهما كانت درجة المساواة في الكمال التي يخضع لها مجتمعه ، يصحبه دوماً الألم والشقاء والاحتياج ، و إنه دوماً في حاجة إلى مساعدة عاطفية قبل كل شيء يمدها له الغير ، فالصداقة في هذا المضمار تعتبر الوثبة التي تعمل على إعلاء الإنسان ، رغم ما ينزل به من مكروه . والعمل العفوي من هذا النوع هو تدريجياً من تصور العدل . فالقضاء على الاستغلال والتنديد بالعنصرية والمطالبة بالمساواة والنداء بنشر التعليم ... كل ذلك ، صار تحت تأثير الصداقة والرحمة ،و هي واجبات أساسية عامة بعد ما كانت مطالب خاصة وظواهر استثنائية ، غير أنه ينبغي أن نرفع التباساً يتجلى من التفرقة  بين الواجبات المحدودة والواجبات غير المحدودة .

 إن الصداقة  تصير بحكم ذلك واجبات ولم تعد حرة من اختيار صاحبها ، إذن لا يمكن للعدل أن ينظم كل شيء ولا أن يتنبأ بكل شيء ، ولهذا  فالرحمة لا بد وأن تتدخل من حين لآخر حتى تملأ فجوات تجاوزت العدل .

إن العدل يتباطأ في حضوره كما يقال ، أما الفقر فانه لا ينتظر . ولهذا يمكن اعتبار الرحمة  أكسيجين البشرية ، ولكن الرحمة بدون صبر ضرر . إذا كان العدل من إملاء العقل ، فإن الرحمة التي تنفر من الخضوع للروح العادلة .

 إنها تتحول إلى حب موهن للبشرية وتوبيخ لكرامة من تنزل به ،  فلا بد أن ننطلق من مبدأ وهو أن نضع كل إنسان في شروط تكسبه الثقة بنفسه ونلح على إمكانية الاعتماد على النفس وألا يدين بأي شيء للغير . وكثيراً ما نتردد حينما ينادي لنا الإحسان أمام حالة محتاج ؛ فنتساءل ، أمساعدتنا له عدل أم مس بسمعته ؟ إن الإنسان في حاجة إلى أن يحترم في حياته . لكن الإنسان قد نحترمه تارة ونسيء اليه تارة أخرى .

وهنا يجب أن تأخذ روح الإحسان والصداقة لغة العدل . ولا يمكنها ذلك إلا إذا تجسدت في الأعمال وتحددت تبعاً لظروف محسوسة للوجود الإنساني . 

وعندما تكون الرحمة منارة معقولة . فانها بالضرورة تتحول إلى أفعال العدل . إذ أننا لا نكون عادلين بالمعنى السامي للكلمة إلا إذا كنا مصحوبين بمحبة الغير . والرجل العادل أو الرجل الصديق المحسن إنما هو ذلك الإنسان الذي لا يتنازل فقط عما هو فائض عن حاجاته وإنما هو الذي يتنازل كذلك لخير الآخرين عن أقل ضرورياته أو أكثرها .

إن العدل بدون صداقة كما قال « أرسطو » عدل فاشل . إنه مجرد من الحرارة البشرية لما يتسم به من صرامة وقسوة . إلا أن الصداقة بدون عدل مجرد عاطفة عمياء وإحساس قابل للزوال وعامل نحو الفوضى . لأن الناس المتحدين برابطة
الصداقة لن يدركوا السعادة إلا إذا استمدوا مبادئ روابطهم من نور العدل . وعلى هذا يكون من الخرافة تصور مجتمع لا يترك مكاناً خطيراً للإحسان . ولقد جمع الإسلام بين العدل والإحسان في الآية الكريمة : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان". 




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-